شكراً شباب الروصيرص

بقلم السفير/ الطريفي أحمد كرمنو
(أبعد ما يكون)
كان بودنا أن نتشرف بحضور حفل الإفطار الرمضاني الذي أقامه شباب الروصيرص الرائع للترحم على روح زميلهم الشاب الورع الخلق الشهيد نهشل الرشيد، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظم وقد اختاروا هذا اليوم (الجمعة)، وهو أفضل أيام الأسبوع ووقع فيه الحادي والعشرين من رمضان، وهو اليوم الأهم في هذا الشهر فيه يبدأ تحري ليلة القدر لأنها تأتي في الليالي الوتر في العشر الأواخر من رمضان، فتبدأ باليوم الحادي والعشرين ثم الثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين، وأخيراً التاسع والعشرين، وفي هذه الليلة أنزل سبحانه وتعالى هذا القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم هدى للناس إلى الصراط المستقيم. وقال عنه تعالى “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، فكان بذلك من خير الأيام التي قد يستجاب فيها الدعوات، فهي ليلة تتنزل فيها الملائكة والروح وهو جبريل عليه السلام، فنتمنى أن يكون الله العلي القدير قد استجاب لدعوات هذا العدد الكبير من الشباب وغيرهم من الحضور.
استشهد الشاب نهشل الرشيد في ليلة التاسع عشر من يناير من هذا العام في ليلة زفافه لإكمال دينه برصاصة أطلقتها يد آثمة غاشمة عن عمد وخلسة، فقد كانت فاجعة أليمة، لأن الاغتيال تم في حفل زفافه وأمام داره ووسط أهله ومدعويه الذين استجابوا ولبوا دعوة العريس نهشل وجاءوا من كل فج عميق، ففاق الحضور التصور، فكان التقدير أنهم بين الألف والألفين رجالاً ونساء شيباً وشباباً حتى بدا أن نهشل الشهيد أقام حفل وداع في هيئة حفل زفاف لأحبابه وأصدقائه وأهله وزملائه ولمعارفه وكأني به وجه لهم الدعوة لحضور استشهاده واستجابوا لدعوته، فحزنوا عليه حزناً شديداً ولم يذق أي منهم طعماً للنوم حتى الصباح وحتى بعد أن تم دفن الجثمان في الساعات الأولى من الجمعة العشرين من يناير واصلت العيون ذرف الدموع ألماً وحزناً وأسفاً على فراق الشهيد نهشل الذي لم يزكه أحد على ربه..
لقد اختار القاتل ليلة الخميس وهي ليلة الحناء الكبرى، حيث كان الحضور كثيفاً من الرجال والنساء والشباب في بهجة وفي سرور مع الشهيد نهشل ومن كثرة الحضور بين الألف والألفين أو يزيدون ولا ينقصون كانت المراقبة صعبة جداً، فارتكب جريمته الشنيعة بإطلاق رصاصة في صدر الشهيد العريس نهشل وانسحب خلسة ليودع نفسه عند الشرطة، لأنه على ما يبدو كان يعرف أنه لو جاء شاهراً سلاحه لاغتيال نهشل لسمع سكان مدينة سنار دوي السلاح الذي كان سيدافع عن نهشل ولربما عجزت الشرطة عن السيطرة على الموقف لأن هذا المجرم القاتل استخف واستفز فقتل نهشل يوم زفافه وأمام منزله وأمام أهله وأمام المحتفلين به.
إن إفطاركم الرمضاني هذا أيها الشباب دل ويدل على ما تكنون من تقدير ووفاء للشهيد نهشل، كما دل ويدل على ما قدمه وقام به بينكم، فهو ذلك الشاب الذي كان يحترم الصغير ويوقر الكبير يمد يد العون لكل محتاج في مجال تخصصه في طلب المختبرات الطبية وللمرضى المناجين للدواء، فكان نشطاً في خدمة الخير، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، ولهذا كان محبوباً بين أهله ومعارفه وبينكم أيها الشباب وبين أخواله في أبو حراز وجميع معارفهم حتى أن الخليفة عبد الرحمن ابن الشيخ دفع الله بن الشيخ حمد بن الشيخ الناجي خليفة السجادة العركية جاء للترحم وتقبل العزاء في ابن أخته لعمه المغفور لها بإذن الله هدية بنت الشيخ عبد الله الشيخ حمد الناجي، فكان حضوره هذا بعد مرور ما لا يقل عن الثلاثين عاماً لم تطأ فيها قدم الخليفة في السجادة العركية في أبو حراز مدينة الروصيرص..
لقد مرت على مدينة الروصيرص ابتلاءات كثيرة عليكم أيها الشباب، ولكن الابتلاء باستشهاد نهشل هو الأكثر إيلاماً على ما يبدو وابتلاءات المولى سبحانه وتعالى للإنسان، كما جاء في سورة البقرة هي “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”. صدق الله العظيم
فهي إذن خمسة كما وردت في الآية أعلاه وأنتم ونحن أيها الشباب نقول “إنا لله وإنا إليه راجعون” ونصبر حتى نفوز بالبشرى التي وعد بها سبحانه وتعالى الصابرين.
لقد بلغنا أيها الشباب أن تنظيم الإفطار الرمضاني كان دقيقاً فلم نستغرب ذلك لأن إقامة الإفطار جاءت بدوافع صادقة ونوايا صافية وأنفس تكن الوفاء والإخلاص للمحتفى به حتى ولو كان في قبره فلم يكن من بين المنظمين حاقد أو حاسد أو من يحمل ضغينة، فخرج الحفل مبهراً خالصاً لله سبحانه وتعالى وبأكف تدعو للشهيد بالرحمة والمغفرة، وبرهنتم بذلك أن أي واحد منكم أيها الشباب هو الشهيد نهشل، وأدخلتم في نفوسنا نحن العجزة الطمأنينة بأن الروصيرص في أيد أمينة لشباب واعد، ونقول لكم سيروا على هذا الطريق فقوتكم في وحدتكم ومستقبل الروصيرص في قوتكم.. ولمدينة الروصيرص وصنعها الخاص في نفسي فهي المدينة الوحيدة التي تنافس عندي حبي لمدينة الكرمك وربما هي توأم لها، فهي التي درست فيها المرحلة الوسطى وكان لي شرف الانتماء للدفعة الألى في افتتاح مدرسة الروصيرص الوسطى حينها في أكتوبر من العام 1958م، وهي الآن مقر لكلية الهندسة في جامعة النيل الأزرق.
نحن وإياكم أيها الشباب نتقدم بالسؤال إلى من يهمهم الأمر القائل في قوائم منسوبي القوات المسلحة الباسلة وهل بذلك مازال يستمتع بالحصانة؟! أم أنه أُعفي من رتبته بالتجريد والرحمان من الحقوق، لأنه قتل نفساً بغير حق مخالفاً لوائح القوات المسلحة باستعمال السلاح الممنوح له لاستعماله ضد العدو وللدفاع عن نفسه عند الضرورة، والشرطان لا ينطبقان في هذه الحالة، فالشهيد نهشل لم يكن عدواً للبلاد ولم يهدد حياة القاتل حتى يدافع عن نفسه بل استعمال السلاح الحكومي في وقته الخاص وفي حفل زفاف، وهو أمر محظور عند القوات المسلحة، ونتمنى ألا تمارس القوات المسلحة العصبية..
ونؤكد لكم أيها الشباب أننا مثلكم لن يهدأ لنا بال إلا بعد تنفيذ حكم القصاص في القاتل، فقد قال تبارك وتعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب” صدق الله العظيم.. فلن تكون هناك مساومة أبداً، ونتمنى أن يصدر حكم المحكمة التي سيتم عرض القضية عليها في الجلسة الأولى وفي اليوم الأول، فالسابقة موجودة عندما أصدرت محكمة الاستئناف في الخرطوم حكمها في يوم واحد في قضية منسوبي وزارة الصحة في ولاية الخرطوم بالبراءة، وسيكون حكم المحكمة في الدمازين بالإدانة لأن القضية واضحة المعالم، وهي قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهذا القاتل لا يملك الحق ووسط جمهور وفي حفل زفاف، ولا توجد صلة بين القائل والشهيد، وعلى كل حال فهذه أمانينا وإياكم أليس كذلك أيها الشباب؟!
لقد قتل هذا القاتل في العروس آمالها وأحلامها مع الفتى الذي ارتضت به زوجاً لها وفي ليلة الزفاف فأصابها المرض، فنسأل الله سبحانه وتعالى لها عاجل الشفاء ولأسرة الأخ الكريم أحمد عبد العظيم والدها الصبر والسلوان، فقد لحق بهم الأذى أيضاً، فصبر جميل والله المستعان.
أيها الشباب الرائع قد أثلجتم صدورنا وخففتم عن أنفسكم إولاً الحزن بإقامة حفل الإفطار الرمضاني هذا ثم نحن من بعدكم، فندعو الله تبارك وتعالى أن يتقبل منكم صالح الأعمال والدعوات، وأن يجعل شهيدنا في اللجنة ويعوض شهيدنا شبابه بالحور العين، وأن يجعله من أصحاب اليمين ومع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً. ومرة أخرى نكرر الشكر والتقدير، فالله سبحانه وتعالى يجب أن يشكر على جزيل نعمائه ليزيد..

شاهد أيضاً

وليد العوض مجلس الأمن يقر بالانسحاب التدريجي لقوات البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي …

المصدر : اليوم التالي