ردود عالمية رافضة للموقف الأميركي.القدس … أشعـــــــل فتيلهــــــا ترامــــــب

الخرطوم:اعتدال أحمد الهادي

اعلن الرئيس الامريكى دونالد ترامب مساء امس عن الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل وقال إن القدس عاصمة (اليهود) منذ الزمن الغابر، ووجّه وزارة الخارجية الأمريكية ببدء إجراءات نقل السفارة. في خطوة تشكل مفصلا رئيسيا في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي وتوجه ضربة قاضية الى حل الدولتين،وكان ترامب قد اعلن زعماء في الشرق الأوسط ، أنه يعتزم نقل السفارة الاميركية في تل أبيب الى القدس والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لاسرائيل ، وذلك انفاذا لقرار امريكى صدر فى عام 1995م وكان هذا الإجراء يؤجل عاما بعد عام .

سناريوهات تاريخية
ظلت الولايات المتحدة على مر الزمان تحتفظ بمبدأ عدم المساس بوضع مدينة القدس لحين التوصل إلى حل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وتفادى الرؤساء الأمريكيون السابقون الخوض في مسألة نقل السفارة الأمريكية للقدس واستغلوا قرارا كان قد أصدره الكونغرس عام 1995م تضمن عبارة تسمح للرئيس بتأجيل تنفيذ قرار نقل السفارة كل ستة أشهر.
وتمثل قضية القدس بأبعادها المختلفة أحد المكونات الجوهرية للصراع العربي الإسرائيلي وقد قامت إسرائيل منذ احتلالها للمدينة المقدسة العام 1967، بإجراء تغييرات في الوضع الديمغرافي للمدينة، إضافة إلى إعلان القدس عاصمة لها في العام 1980 بموجب قانون أساس سنه الكنيست الإسرائيلي.
وبالرغم من مخالفة هذه الإجراءات للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وعدم الاعتراف الدولي بهذا الإجراء إلا أن محاولات دولة الاحتلال ومؤيديها في الولايات المتحدة استمرت لشرعنة هذه الإجراءات من خلال وسائل متنوعة، من بينها الضغط لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، تنفيذا لقرار الكونغرس الأميركي الصادر في العام 1990، ولقانون نقل السفارة الأميركية المقر من الأخير في العام 1995، بعد أربعة أسابيع فقط من توقيع اتفاق أوسلو 2 (طابا) في البيت الأبيض، الذي ينص على نقل السفارة حتى العام 1999، أو متى يحين الوقت لذلك.
ومنذ صدور قانون النقل أرجأ رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون نقل السفارة إلى القدس المحتلة بموجب القانون الذي يعطي الرئيس صلاحية التأجيل لمدة ستة أشهر رغم أن بعضهم قطع وعودا في حملاتهم الانتخابية بتنفيذ هذه الخطوة غير أن وعود ترامب وبعض مستشاريه خلال الحملة الانتخابية تبدو جدية هذه المرة باعتزام ترامب كسر القواعد وتأكيده نية نقلها، لكن قد تبدو هذه الزوبعة مناورة للضغط على السلطة الفلسطينية في ملفات أخرى متعلقة بعملية السلام مثل الحدود والاستيطان، في عملية تشبه الابتزاز، قبل طرح صفقة السلام المتوقعة في مطلع العام 2018،
في الوقت نفسه أعلن مراقبون ان تلك الخطوة من شأنها ان تقضى على عملية التفاوض وتؤجج مشاعر الفلسطينيين الذين يعتبرون القدس عاصمة دولتهم الموعودة. وبالتالي يكون ترامب قد أسدى خدمة كبيرة الى اسرائيل توازي الوعد الذي اطلقه وزير الخارجية البريطاني الراحل آرثر جيمس بلفور قبل مئة عام بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود ومعلوم ان اسرائيل ضمّت القدس الشرقية عام 1967، وأعلنتها عاصمتها الابدية والموحدة في 1980، الأمر الذي لم يعترف به المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة.
تداعيات
من تل أبيب إلى القدس قد يتساءل كثيرون ما هو الفرق طالما أن الاحتلال قائم هنا وهناك ؟ بنظرة عميقة تبدو الأمور ليست بهذه البساطة فمدينة القدس تعتبر أهم المدن بالنسبة للفلسطينيين لرمزيتها الدينية والتاريخية ولكونها تحظى بتقديس المؤمنين في الديانات السماوية الثلاث، إضافة إلى كونها أحد أسس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لذلك، تنطوي خطوة نقل السفارة على فرض وقائع جديدة تتمثل باعتبار المدينة المحتلة عاصمة لإسرائيل، في حين تطالب السلطة الفلسطينية ومن خلفها العرب بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة.
وبسبب هذه الخلافات تتواجد سفارات دول العالم داخل إسرائيل في مدينة تل أبيب وليس القدس وقد أقر المجتمع الدولي والأمم المتحدة بأن القدس الشرقية هي أرض محتلة تابعة للدولة الفلسطينية.
ردود أفعال فلسطينية
ركزت ردود أفعال القوى السياسية الفلسطينية على الإدانة واعتبار القدس خطا أحمر، والتحذير من أن نقل السفارة بمثابة إعلان حرب وطالبت الدول العربية والإسلامية بطرد كافة السفراء الأميركيين كما طالب العديد من القوى باتخاذ خطوات سياسية ضد إسرائيل كإنهاء التنسيق الأمني والتراجع عن الاعتراف بإسرائيل أو حل السلطة والعودة إلى المقاومة بكل صورها.
العودة لأيام الغضب الشعبي
وحذر رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) اسماعيل هنية من ان نقل الادارة الاميركية المرتقب لسفارتها من تل ابيب الى القدس سيشكل «تجاوزاً لكل الخطوط الحمر وهددت حماس في غزة بتأجيج انتفاضة القدس ودعت القوى السياسية الفلسطينية الى أيام غضب شعبي.
تحذيرات عربية ودولية
على مستوى الدول العربية والإسلامية، حذر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط من خطورة نقل السفارة إلى القدس وما يمكن أن تؤدي إليه تلك الخطوة من تأثيرات سلبية على مستقبل التسوية للقضية الفلسطينية وما قد تستدعيه من تعزيز لخطاب الإرهاب والتطرف والعنف وكذلك عبر أمين عام منظمة التعاون الإسلامي يوسف بن أحمد العثيمين، عن قلقه وأطلق تحذيرا شديد اللهجة للرئيس ترامب حال اعتزامه نقل السفارة الى القدس، وأكد أن ذلك يتناقض مع مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وحذرمن تبعات هذه الخطوة وتداعياتها الخطيرة على المستويات كافة وأضاف أن العبث بمصير القدس بما لها من مكانة في قلب كل العرب من شأنه تأجيج مشاعر التطرف ونعرات العنف والعداء والكراهية في العالمين العربي والإسلامي، ودعت منظمة التعاون الإسلامي الى عقد قمة استثنائية للدول الإسلامية في حال قررت واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، وقالت إن هذه الخطوة ستشكل اعتداءً على العرب والمسلمين حيث اصدرت المنظمة التي تضم 57 عضوا بيانا دعت فيه إلى عقد اجتماع استثنائي على مستوى مجلس وزراء الخارجية ومن ثم عقد مؤتمر القمة الاسلامي، وحذرت من ان الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل او اقامة اي بعثة دبلوماسية يعد اعتداءً صريحا على الامتين العربية والاسلامية وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي.
القدس خط أحمر
(السيد ترامب القدس خط أحمر للمسلمين) كانت تلك ردة فعل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في خطاب بثه التلفزيون بنبرة وعيد وتحذير واضحة وهدد اردوغان بقطع العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل إذا أعلن ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وفي بيان اصدره الكرملين قال فيه إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الفلسطيني عباس أجريا اتصالا هاتفيا تخلله بحث في قضايا التسوية الشرق الأوسطية وأن بوتين أكد موقف روسيا المبدئي الداعم للمعاودة الفورية للمفاوضات (الفلسطينية – الإسرائيلية) المباشرة في شأن كل المسائل المتنازع عليها بما في ذلك صفة القدس.
وجاء موقف العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني محذرا ترامب من اصدار اي قرار يتعارض مع التسوية النهائية للصراع العربي الاسرائيلي ، القائمة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وأكد أن القدس هي مفتاح تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم وفي تصريح لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قال إن (القدس قضية فلسطينية – أردنية – عربية – إسلامية – مسيحية وان مصير القدس يجب أن يقرر في مفاوضات الوضع النهائي وتعتبر كل الإجراءات الأحادية في القدس باطلة ولاغية.
خطوة استفزاز
وعلى الصعيد المملكة العربية السعودية قالت وكالة الأنباء (واس) ان خادم الحرمين الشريفين اكد للرئيس الأميركي خلال الاتصال به أن أي إعلان أميركي في شأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام ويزيد التوتر بالمنطقة وشدد العاهل السعودي على دعم السعودية للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية باعتبار أن من شأن هذه الخطوة الخطيرة استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم نظرا الى مكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين.
وجاء رد فعل جمهورية مصر العربية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أبلغ ترامب بعدم تعقيد الوضع في الشرق الأوسط.
فيما عبر العاهل المغربي الملك محمد السادس من خلال رسالة بعث بها الى ترامب عن قلقه ، واعرب عن امله بأن يتفادي هذه الخطوة ويعتبر محمد السادس رئيس لجنة القدس المنبثقة من منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة.
فيما اعترض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على احتمال نقل ترامب سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل إلى القدس وحذر من تبعات هذا القرار.
وأعرب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن قلقه لنظيره الامريكي ان تعترف الولايات المتحدة احاديا بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل ، و ذكر ماكرون بأن مسألة وضع القدس يجب تسويتها في إطار مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي تهدف خصوصا لإقامة دولتين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن، مع القدس عاصمة لهما.
وحذر الاتحاد الاوروبي من التداعيات الخطيرة لمثل هذا القرار من قبل الولايات المتحدة وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغريني ان التركيز يجب ان يظل على الجهود الرامية لاستئناف عملية السلام وتجنب اي عمل من شأنه ان يقوض مثل هذه الجهود.
وقالت فيدريكا موجيريني إن أي تصرف من شأنه تقويض جهود السلام الرامية لإقامة دولتين منفصلتين للإسرائيليين والفلسطينيين يجب تفاديه تماما.
وقالت (يتعين إيجاد سبيل من خلال المفاوضات لحل مسألة وضع القدس كعاصمة مستقبلية للدولتين) مؤكدة دعم الاتحاد الأوروبي لجهود كسر جمود محادثات السلام.ومن المتوقع ان يعقد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي وعددها 28 دولة اجتماعا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أوائل العام المقبل وذلك قبل مباحثات مع رئيس الوزراء الاسرائيلي باعتبار ان وضع القدس يحل عبر التفاوض.
مواقف سودانية
حذر رئيس هيئة علماء السودان محمد عثمان صالح في حديث للأناضول من خطورة الخطوة ووصفها بـ(الصادمة) لجميع مسلمي وأحرار العالم.
ويرى القيادي في الحركة الإسلامية عبد الجليل النذير الكاروري في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس إساءة كبيرة للأمتين العربية والإسلامية.
أميركا تتخوف
حذرت وزارة الخارجية الأمريكية، سفاراتها وقنصلياتها في جميع أنحاء العالم من العنف المحتمل حال إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء واعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وبحسب ماجاء في تقرير موقع بوليتيكو الامريكي الذي يظهر التحذير الذي تم تسليمه عبر رسالتين سريتين من قبل مسؤولين في وزارة الخارجية القلق من أن مثل هذا الإعلان يمكن أن يثير الغضب في العالم العربي .ويخشى دبلوماسيون أن يثير إعلان ترامب المتوقع الغضب في العالم الإسلامي، واندلاع مظاهرات ضد السفارات الأمريكية في أنحاء العالم في الوقت الذي حذر فيه قادة العرب من أن يثير ذلك احتجاجات جماهيرية بل وإرهابا.
و يبدو أن لا احد يعرف ماذا يدور في رأس ترامب لكن إقدامه على قرارات حاسمة منذ توليه الرئاسة بدءا من القرارات المثيرة للجدل حول منع استقبال مواطني دول عدة في الشرق الأوسط، وليس انتهاء بالانسحاب من الاتفاقيات واحدة تلو الأخرى أبرزها اتفاقية باريس للمناخ يجعل احتمالات إعلانه فعليا عن نقل السفارة واردة إلى حد كبير بحسب ما ذكرت الناطق الرسمي لوزارة الخارجية التي وصفت قرارات ترامب بالصلبة و(لا يمكن ان يتراجع عنها). بيد ان الاحتمال الوارد هو تمديد تأجيل قرار نقل السفارة لستة أشهر كما ظل يفعل الرؤساء السابقون.ولكن الناظر لردود الأفعال الراهنة تلك والتي تشير الى وجود إجماع فلسطيني وعربي وعالمي معارض لخطوة النقل ومحذر من تداعياتها مع أن الصورة قد تبدو على المستوى العملي المتوقع حال تنفيذ قرار النقل محبطة خاصة بعض الدول العربية التي قد لا تلجأ في الغالب إلى أي إجراء عملي إذا تم نقل السفارة، لسبب جوهري هو أن تلك الدول قد تبدو حريصة على استرضاء الرئيس الامريكي او لانشغال تلك الانظمة العربية بمشكلاتها الداخلية فضلا عن تخوفها من تهديدات ترامب بفرض عقوبات واعباء مالية على تلك الدول.
من جهة أخرى، قد تختلف الصورة على المستوى الشعبي الفلسطيني، لا سيما أن محاولة المساس بالقدس والمقدسات كانت المحرك للانتفاضتين الأولى والثانية، وللموجة الانتفاضية الأخيرة، ومن شأن تطور أشكال الرفض والحراك الشعبي الفلسطيني دفاعًا عن القدس ورفضًا للسياستين الإسرائيلية والأميركية أن يؤثر على طبيعة ردود الأفعال ومستويات التضامن على المستويات الشعبية في العديد من البلدان العربية والإسلامية، بما تنطوي عليه من تهديد للمصالح الأميركية.
يبدو أن الطريق أمام ترامب ليس سالكاً، تبعًا لحجم وتأثير الردود المحتملة التي يمكن لتناميها واتساعها أن يفرض عليه التراجع ولو إلى حين. حيث هناك الموقف المسيحي والفاتيكاني الرافض للسيطرة الإسرائيلية على القدس وكنائسها، وتنامي تأييد الرأي العام العالمي للحق الفلسطيني، وكذلك وجود أصوات وقوى معارضة حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

المصدر : الصحافة